| جديد |
|---|
| هل تعلم؟؟؟ | |
|---|
![]()
March 6, 2006
إمام في أمريكا
مفهوم التودد في الإسلام ، تماماً كما هو الحال مع أكثر مفاهيم هذا المعتقد ، مفتوح للتفسير. فالقانون الإسلامي يؤكد على عدم جواز إختلاء رجل وأمرأة غريبين ببعضهما. بعض المسلمين يرفضون الإختلاط قبل الزواج ، و البعض الأخر لا يجد حرجاً ، بينما تقع طائفة منهم في المنتصف من تلك الحالتين ، فتتم المقابلات في مجاميع عامة ، وقد تتم الخطبة مما يتيح لهما قضاء بعض الوقت منفردين قبل الزواج بينما يسوغ الآباء لأنفسهم ذلك. فأحد الشباب السوريين لايجد بأساً في لقاءات المقاهي العامة طالما أنها تبدء وتنتهي هناك. فالمكان العام هو مرافقه اليقظ.
السيد شطا تقليدي بطبعه. فلم يكن هناك الكثير من الغرباء في قريته الزراعية: كفر البطيخ في شمال شرق مصر. فهناك..غالباً مايوافق الرجال والنساء على الزواج في نفس اليوم الذي يتقابلون فيه. ومن النادر أن يتعرف المرء على شخص غريب من محافظة أخرى ناهيك عن بلد آخر.
نيويورك ليست فقط عاصمة العالم ، كما يمزح بعض الأئمة ، ولكنها أيضاً تقاطع لطريق الإسلام ، فيها تنوع بشري لايوجد في أي مكان آخر ما عدى مكة في موسم الحج السنوي. و وراء مقاطعات المدينة الخمس ، إستطاع المهاجرون المسلمون إقامة نقاط إتصال في كاليفورنيا و إلينويز وميتشغان وتكساس.
و يقف في منتصف نقاط الإتصال تلك مشهد مألوف في أرض غريبة: المسجد. فما كان مجرد مكان للعبادة في باكستان أو الجزائر أصبح في هيوستون أو ديترويت جنة إجتماعية ، ومع ذلك يظل الجنسان في داخله مفصولين عن بعضهما بشكل كبير.
عدد متزايد من المواقع الإسلامي تقوم بالإعلان عن راغبي الزواج ، وربات المنازل غالباً ما يصبحن خاطبات أيضاً. أحد المساجد في برينستون نيوجيرسي ، إستطاع أن يلعب دور المضيف ذو الإشراف المباشر على نوعية من تلك اللقاءات. بينما قام التجمع الإسلامي في بوسطن بتكوين لجنة خاصة لتعريف رواد المسجد من الراغبين في الزواج ببعضهم البعض.
في رمضان الماضي حث أحد الأئمة في بروكلين - بسبب خوفه من زيادة نسبة العوانس - الأثرياء من رواد المسجد على التزوج بأثنتين. وعندما أشتكت أمرأة ذلك إلى السيد رضا ضحك وهو يقول لها سائلاً:
"هل تعرفين ذلك المبشر الذي دعى إلى إغتيال هوغو شافيز؟" ثم إستطرد: " نحن عندنا أغبياء أيضاً."
السيد رضا لا يرى في نفسه فقط معرّفاً ( للشباب والشابات) ، وإنما وصي لحديثي السن من المسلمين ، والذي يعيش الكثير منهم بعيداًعن ذويهم. ففي أمريكا ، لايصلح لهذا الدور إلا إمام لما له من علاقات وحكمة وأحترام.
اللقاءات التي يرعاها السيد شطا تتم في مكتبه الغير رومنسي. يجلس مرشحي الزواج مع بعضهما بين صفوف من الكتب الإسلامية ، بينما يجلس الإمام في صمت على مكتبه يكتب خطبة أو يقرأ موقعي الأخبار سي إن إن أو البي بي سي العربيين. فإذا ما أمتدت لحظة صمت غير مريحة ، هتف الإمام في مرح: " قولي لي يا إلهام ، كم لك من الأقارب ؟" وإذا بالمحادثة تعود إلى الحياة من جديد.
يتم إختيار المرشحين بعناية فائقة ، ولا يتم قبول من ليس لديهم من يزكيهم. مع ذلك تظل الغريزة هي أفضل مرشد يملكه السيد شطا. فقد رفض مساعدة رجل سعودي لإصرارة على زوجة مراهقة ، وفي حالات أخرى رفض مساعدة أخرين لما أظهروه من إهتمام بالغ بالبطاقة الخضراء ( جرين كارد)
الذين ينجحون في إمتحانه الشخصي ، يقوم بتدوين معلوماتهم في دفتر أسود صغير:أسمائهم و تلفوناتهم ومواصفاتهم و ما يرغبونه من مواصفات (النصف الآخر). بعضهم يفضل "شعر حريري" والبعض الآخر أراد "عذراء" ، بينما أتفقوا جميعاً – رجالاً ونساءً – على رغبة واحدة: التدين والمظهر المقبول والوضع القانوني.
متفحصاً الدفتر ، يقوم الإمام بالإنتقاء بمهارة تضاهي مهارة بائع السيارات. " هناك فتاة ، أمريكية أسلمت ذات أصلول دومنيكية ..تشبه المصريات.. لون بشرتها ليس أبيضاً وليس أسمراً..قمحية ، عمرها 19 عاماً وتدرس المحاسبة." قال السيد شطا ذلك -في عصر ذات يوم- مخاطباً شاباً فلسطينياً يبلغ من العمر 24 عاماً. " أهذا هو خياري الوحيد؟" هتف متسائلاً الشاب الفلسطيني ، يأمل عثمان ، الذي يقيم في كوينز . أسئلة كتلك تزعج السيد شطا. فالإمام ، كما يقول، لابد أن يحظى بالثقة في إختيار أفضل المرشحين. مع ذلك ، كثير من ترشيحات تقابل بالتشكيك. " المسألة أصعب من إختيار (جواهر)الألماس." – يقول السيد شطا.
أحياناً في تلك الإجتماعات الثلاثية ، لايبدو أحد أكثر سروراً من السيد شطا نفسه. فهو يقوم بتقديم ( المرشحين لبعضهما) بشكل مفعم بالعاطفة ، ثم يجلس بعيداً يراقب ، كما لو أنه يخلط عناصر كيميائية في مختبر. وعلى الرغم من الحب نادراً ما يشتعل ، إلا أن الإمام يظل مفعماً بالأمل.
السيد شطا أكتشف الحب منذ 15 عاماً مضت ، عندما دخل إلى صالة أحد أهم البيوت في كفر البطيخ. كان الأمام حينها شاباً طويلاً يبلغ من العمر 22 عاماً ، وكان نجمه في الصعود في المسجد المحلي. لأشهر عديدة لم تعرف منه أميمة الشبراوي سوى صوته ،والذي كان يصلها وهي جالسة في مصلى النساء تستمع إلى خطبة الهادرة. وذات مساء كان يجلس مع والدها ، أحد أبرز قراء القرآن ، متقدماً له يطلب الزواج منها.
توجهت الشابة الصغيرة ، 20 عاماً ، نحو السيد شطا حاملة صحناً وضعت عليه أكواب (الشربات) ، " دخلت قلبي" يقول الإمام وهو يعود بذاكرته إلى تلك اللحظات. بعد أن قدمت لهم الشراب ، غادرت الفتاة مختفية. وعندئذ طلب السيد شطا يدها من والدها، صمت الرجل الكبير لبرهة ، فأبنته هي أجمل فتيات القرية ، تدرس الأدب الإنجليزي وتقدم لها خطاب كثر من الأطباء ، بينما كان السيد شطا حينها معدماً. وقبل أن يرد السيد الشبراوي ، قطع صوت شديد الحلاوة الصمت هاتفاً: " أنا موافقة" ، كان صوت أبنته من وراء الباب. "أحببته من أول لحظة رأيته فيها" تقول السيدة شبراوي، اليوم لديهم أربعة أطفال.
في العام الماضي ، إلتقطت صورة للسيد شطا مع أسرته في بدروماً جهزته المصورة كإستوديو تصوير تلتقط فيه صور جماعية للإسر المسلمة. في الخلفية بدت السماء الزرقاء زاهية ( متناغمة مع) الحاجز الأبيض في الخلف. في المنتصف تماماً يجلس الإمام محتضناً الضغير محمد بينما تبتسم الفتيات الثلاث وتبدو الزوجة ملتحفة حجاباً أخضر ليموني.
يحمل السيد شطا هذه الصورة في الجيب الأمامي لثوبه ، وهذه أقرب مسافة يستطيع الناس الإقتراب فيها من أسرته. فهي بمثابة الإحجية في المسجد ، وزوجته لم تحضر إلى المسجد سوى مرتين.
سنوات الأسرة في الولايات المتحدة مليئة بالصعوبات ، وهي موضوع نادراً ما يتحدث فيه الإمام. فمرض طفلتهم روضة ( 7 أعوام ) والتي تعاني من الصرع الحاد ، وتقاسي عدة نوبات مرضية يومياً ، وهي لذلك لا تغادر المنزل إلا نادراً..خصوصاً وإن خلطات الأدوية لم تثبت جدوى ، "روضة هي جرح قلبي" – يقول الإمام.
يقدم السيد شطا نظريات عديدة في قيم الزواج ، وعندما تراه في منزله تستطيع أن تفهم الإلتزام الأسري الذي يبتغيه لغيره من المسلمين.
تعيش الأسرة في شقة واسعة ذات إضاءة خافته ، و تبعد شارعين عن المسجد. فيها تجد قطع الحجابات متكومة على بطاقات البوكيمان ، وهناك لافته مذهبة كتب عليها " الله أكبر" معلقة على حائط يعلو خلف كنبة قديمة. وعلى جدار الغرفة المجاورة لا تستطيع إلا أن تلاحظ مطبوعة لاصقة كتب عليها " أحبُ نيويورك"
يمضى السيد شطا ساعات طويلة بعيداً عن أسرته ، يلقي فيها المحاضرات في عدد من المساجد ، أو ليحل بعض الخلافات ، أو ليؤذن في أذان المواليد. وعندما يتوجه إلى المنزل ، يتوقف لشراء بعض حاجيات المنزل ، وهو بذلك لا ينسى أبداً شراء " تشيروز بالعسل والمكسرات" – وهو أحد أفضل ما أكتشفه أطفاله في أمريكا.
بمجرد أن يدلف إلى الشقة ، تسترخي عضلات وجهه وترتفع أصوات القبل . وبينما يصرخ الصغير محمد (في مرح)...تبتسم الفتيات ، وترجع الجدران صدى ضحكات حلوة.... إلا أن هناك روضة أو " فتاتي الجميلة" كما وصفها الإمام ذات ليلة وهو يحتضنها بعد أن قاست إحدى نوبات الصرع.
ضع في فمها حبة دواء..ثم أخرى..وتكتفي هي بالنظر إليه في ضعف ، يهمس في أذنها .."يالله..بالشفاء إن شاء الله" ، تغلق الصغيرة عيناها في بطئ...وتغط في النوم.. بينما يضعها برفق على سريرها ويطفي الأنوار ..ويستدير خارجاً في صمت.
الصعوبات كما يعتقد الإمام هي إمتحان من الله. سأل إمراءة – قابلها بالصدفة في مركز لوثرن الطبي – عما إذا كانت قد إنفصلت بعد؟ وعندما هزت السيدة رأسها نافية ، إستطرد قائلاً: " نسأل الله أن ييسر لك أمرك."
|
|||